فصل: تفسير الآيات (146- 147):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التيسير في التفسير أو التفسير الكبير المشهور بـ «تفسير القشيري»



.تفسير الآية رقم (145):

{وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)}
قوله جلّ ذكره: {وَكَتَبْنَا لَهُ في الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَئ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَئ}.
وفي الأثر: أن موسى عليه السلام كان يسمع صريرَ القلم، وفي هذا نوع لطف لأنه إنْ منع منه النظر أو منعه من النظر فقد علله بالأثر.
قوله جلّ ذكره: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ}.
فيه إشارة إلى أن الأَخْذَ يُشير إلى غاية القرْبِ، والمراد هاهنا صفاءُ الحال، لأن قربَ المكانِ لا يَصِحُّ على الله سبحانه.
قوله جلّ ذكره: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا}.
فَرْقٌ بين ما أمر به موسى من الأخذ وبين ما أمره أن يأمر به قومه من الأخذ، أَخْذُ موسى عليه السلام من الحق على وجهٍ من تحقيق الزلفة وتأكيد الوصلة، وأَخْذُهُم أخذُ قبولٍ من حيث التزام الطاعة، وشتان ما هما!.
قوله: {بِأَحْسَنِهَا} بمعنى بِحُسْنِهَا، ويحتمل أن تكون الهمزة للمبالغة يعني: بأحسنها ألا تعرِّج على تأويل وارجع إلى الأَوْلى.
قوله جلّ ذكره: {سَأُورِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ}.
يعني عليهاغَبَرةٌ العقوبة، خاوية على عروشها، ساقطة على سقوفها، مُنْهَدٌّ بنيانُها، عليه قَتَرةُ العِقاب.
والإشارة من دار الفاسقين إلى النُّفوس المتابعة للشهوات، والقلوب التي هي معادن المنى وفاسد الخطرات، فإنَّ الفِسقَ يوجب خرابَ المحل الذي يجري فيه؛ فمن جرى على نفسه فِسْق خربت نفسه. وآية خراب النفوس انتفاءُ ما كان عليها وفيها من سكان الطاعات، فكما تتعطل المنازل عن قطانها إذا تداعت للخراب فكذلك إذا خربت النفوس بعمل المعاصي فتنتفي عنها لوازم الطاعات ومعتادها، فبعد ما كان العبد يتيسر عليه فعل الطاعات لو ارتكب شيئاً من المحظورات يشق عليه فعل العبادة، حتى لو خُيِّر بين ركعتي صلاة وبين مقاساة كثيرٍ من المشاق آثر تحمل المشاقِّ على الطاعة.. وعلى هذا النحو ظلمُ القلوب وفسادُها في إيجاب خراب محالها.

.تفسير الآيات (146- 147):

{سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)}
قوله جلّ ذكره: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا}.
سأَحْرُمُ المتكبرين بركاتِ الاتباع حتى لا يقابلوا الآياتِ التي يُكاشَفُون بها بالقبول، ولا يسمعوا ما يُخَاطَبُون به بسمع الإيمان.
والتكبُّر جحدُ الحق- على لسان العلم، فَمَنْ جَحَدَ حقائقَ الحقِّ فجحودُه تكبُّره واعتراضُه على التقدير مما يتحقق جحودُه في القلب.
ويقال التكبُّر توهمُ استحقاقِ الحقِّ لك.
ويقال من رأى لنفسه قيمةً في الدنيا والآخرة فهو متكبِّر.
ويقال مَنْ ظَنَّ أَنَّ شيئاً منه أو له أو إليه- من النفي والإثبات- إلا على وجه الاكتساب فهو متكبِّر.
قوله جلّ ذكره: {وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
تبيَّن بهذا أنه لا يكفي شهودُ الحقِّ حقاً وشهودُ الباطلِ باطلاً بل لابد من شهود الحق من وجود التوفيق للحق، ومنع شهود الباطل من وجود العصمة من اتباع الباطل.
ويقال إِنَّ الجاحِدَ للحقِّ- مع تحققه به- أقبحُ حالةً من الجاهل به المُقصِّرِ في تعريفه.

.تفسير الآية رقم (148):

{وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)}
قوله جلّ ذكره: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ}.
لم يُطَهِّر قلوبَهم- في ابتداء أحوالهم- عن توهم الظنون، ولم يتحققوا بخصائص القِدَمِ وشروط الحدوث، فعثرت أقدام فكرهم في وهاد المغليط لما سلكوا المسير.
ويقال إن أقواماً رضوا بالعِجْلِ أن يكونَ معبودَهم متى تشم أسرارُهم نسيمَ التوحيد؟ هيهات لا! لا ولا مَنْ لاحظ جبريلَ وميكائيلَ والعرشَ أو الثَّرى، أو الجِنَّ أو الورى. وإِنَّ مَنْ لَحِقَه ذلك أو وجد من قبيل ما يقبل نعوت الحدثان، أو صحَّ في التجويز أن ترتقي إليه صواعد التقدير وشرائط الكيفية فغيرُ صالحٍ لاستحقاق الإلهية.
ويقال شتَّان بين أمة وأمة! أمة خرج نبيهم عليه السلام من بينهم أربعين يوماً فعبدوا العِجْلَ، وأمة خرج نبيُّهم- عليه السلام- من بينهم وأَتَى نيف وأربعمائة سنة فمن ذكر بين أيديهم أن الشموس والأقمار أو شيئاً من الرسوم والأطلال تستحق الإلهية أحرقوه بهممهم.
ويقال لا فصلَ بين الجسم والجسد، فكما لا يصلح أن يكون المعبود جسماً لا يصلح أن يكون متصفاً بما في معناه، ولا أن يكون له صوت فإن حقيقة الأصوات مُصَاكَّةُ الأجرام الصلبة، والتوحيد الأزلي ينافي هذه الجملة.
ويقال أَجْهِلْ بقوم آمنوا بأن يكونَ مصنوعُهم معبودَهم! ولولا قهر الربوبية وأنه تعالى يفعل ما يشاء- فأَيُّ عقلٍ يُقِرُّ مثل هذا التلبيس؟!
قوله جلّ ذكره: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ}.
جعل من استحقاقه نعوت الإلهية صحة الخطاب وأن تكون منه الهداية، وهذا يدل على استحقاق الحق بالنعوت بأن متكلِّمٌ في حقائق آزاله، وأنه متفرِّد بهداية العبد لا هاديَ سواه. وفيه إشارة إلى مخاطبة الحق- سبحانه- وتكليمه مع العبد، وإنَّ الملوكَ إذا جلَّتْ رتبتهم استنكفوا أن يخاطبوا أحداً بلسانهم حتى قال قائلهم:
وما عَجَبٌ تناسي ذِكْرِ عبدٍ ** على المولى إذا كَثُرَ العبيدُ

وبخلاف هذا أجرى الحقُّ- سنَّتَه مع عباده المؤمنين، أما الأعداء فيقول لهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108] وأمَّا المؤمنون فقال صلى الله عليه وسلم: «ما منكم إلا يكلمه ربُّه ليس بينه وبينه ترجمان»، وأنشدوا في معناه.
وما تزدهينا الكبرياءُ عليهمُ ** إذا كلَّمونا أن نكلمهم مَرَدَّا

قال تعالى:- {قُل لَّوْ كَانَ البَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّى وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109].

.تفسير الآية رقم (149):

{وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)}
حين تحققوا بقبح صنيعهم تجرَّعوا كاساتِ الأسف ندماً، واعترفوا بأنهم خَسِروا إنْ لم يتداركهم من الله جميلُ لطْفِه.

.تفسير الآيات (150- 151):

{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)}
قوله جلّ ذكره: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ}.
لو وجد موسى قومه بألف ألف وِفاقٍ لكان متنغِّصَ العيش لِمَا مني به من حرمان سماع الخطاب والرد إلى شهود الأغيار.. فكيف وقد وجد قومه قد ضلوا وعبدوا العجل؟ ولا يُدْرَى أيُّ المحن كانت أشدَّ على موسى:
أَفِقدانُ سماع الخطابِ؟ أو بقاؤه عن سؤال الرؤية؟ أو ما شاهد من افتنان بني إسرائيل، واستيلاء الشهوة على قلوبهم في عبادة العجل؟ سبحان الله! ما أَشدَّ بلاءه على أوليائه!
قوله جلّ ذكره: {وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلأَخِى وَأَدْخِلْنَا في رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.
إن موسى عليه السلام وإنْ كان سَمِعَ من اللهِ فتَنَ قومه فإنه لما شَاهَدَهُم أثَّرت فيه المشاهدةُ بما لم يؤثر فيه السماع، وإنْ عُلِمَ قطعاً أنه تأثر بالسماع إلا أن للمعاينة تأثيراً آخر.
ثم إن موسى لما أخذ برأس أخيه يجره إليه استلطفه هارونُ في الخطاب.
فقال: {ابْنَ أُمَّ} [طه: 94] فَذَكَرَ الأمَّ هنا للاسترفاق والاسترحام.
وكذلك قوله: {تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى وَلاَ بِرَأْسِى} [طه: 94] يريد بهذا أنه قد توالت المحنُ علي فذرني وما أنا فيه، ولا تَزِدْ في بلائي، خلفتني فيهم فلم يستنصحوني. وتلك عليَّ شديدةٌ. ولقيتُ بَعْدَكَ منهم ما ساءني، ولقد علمت أنها كانت علي عظيمة كبيرة، وحين رجعتَ أخذتَ في عتابي وجر رأسي وقصدْتَ ضربي، وكنت أود منك تسليتي وتعزيتي. فرِفقاً بي ولا تُشْمِتْ بي الأعداء، ولا تضاعِفْ عليّ البلاء.
وعند ذلك رقَّ له موسى- عليه السلام، ورجع إلى الابتهال إلى الله والسؤال بنشر الافتقار فقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلأَخِى وَأَدْخِلْنَا في رَحْمَتِكَ} وفي هذا إشارة إلى وجوب الاستغفار على العبد في عموم الأحوال، والتحقق بأنَّ له- سبحانه- تعذيبَ البريءِ؛ إذ الخلقُ كُلُّهم مِلْكُه، وتَصَرُّفُ المالكِ في مِلْكه نافذٌ.
ويقال: ارتكابُ الذَّنْبِ كان من بني إسرائيل، والاعتذارُ كان من موسى وهارون عليهما السلام، وكذا الشرط في باب خلوص العبودية.

.تفسير الآية رقم (152):

{إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)}
يعني إن الذين اتخذوا العِجْلَ معبوداً سَيَنالهُم في مستقبل أحوالهم جزاءُ أعمالهم. والسين في قوله: {سينالهم} للاستقبال، ومَنْ لا يضره عصيان العاصين لا يبالي بتأخير العقوبة عن الحال، وفَرْقٌ بين الإمهال والإهمال، والحق- سبحانه- يمهل ولكنه لا يهمل، ولا ينبغي لِمَنْ يذنب ثم لا يُؤَاخَذُ في الحال أَنْ يَغْترَّ بالإمهال.

.تفسير الآية رقم (153):

{وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)}
وَصَفَهم بالتوبة بعد عمل السيئات ثم بالإيمان بعدها، ثم قال: {مَن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. والإيمان الذي هو بعد التوبة يحتمل آمنوا بأنه يقبل التوبة، أو آمنوا بأن الحق سبحانه لم يُضِرْه عصيانٌ، أو آمِنوا بأنهم لا ينجون بتوبتهم من دون فضل الله، أو آمنوا أي عَدُّوا ما سبق منهم من نّقض العَهْدِ شِرْكاً.
ويقال استداموا للإيمان فكان موافاتهم على الإيمان.
أو آمنوا بأنهم لو عادوا إلى ترك العهد وتضييع الأمر سقطوا من عين الله، إذ ليس كل مرة تسلم الجرة.

.تفسير الآية رقم (154):

{وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)}
تشير إلى حسن إمهاله- سبحانه- للعبد إذا تغيَّر عن حدِّ التمييز، وغَلَبَ عليه ما لا يطيق ردَّه من بواده الغيب.
وإذا كانت حالة الأنبياء- عليهم السلام- أنه يغلبهم ما يعطلهم عن الاختيار فكيف الظن بِمنْ دونهم.

.تفسير الآية رقم (155):

{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)}
شتان بين أمة وأمة؛ أمة يختارهم نبيُّهم- عليه السلام، وبين أمة اختارها الحقُّ- سبحانه، فقال: {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى العَالَمِينَ} [الدخان: 32].
الذين اختارهم موسى قالوا: {أرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} [النساء: 153] والذين اختارهم الحق- سبحانه- قال الله تعالى فيهم: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22].
ويقال إن موسى- عليه السلام- جاهر الحقَّ- سبحانه- بنعت التحقيق وفارق الحشمة وقال صريحاً: {إنْ هي إِلاَّ فِتْنَتُكَ} ثم وَكَلَ الحكمَ إليه فقال: {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَاءُ} ثم عقَّبها ببيان التضرع فقال: {فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا}، ولقد قدَّم الثناءَ على هذا الدعاء فقال: {أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا}.

.تفسير الآية رقم (156):

{وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)}
قوله جلّ ذكره: {وَاكْتُبْ لَنَا في هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الأَخِرَةِ}.
نَطَقَ بلسان التضرع والابتهال حيث صَفَّى إليه الحاجة، وأخلص له في السؤال فقال: {وَاكْتُبْ لَنَا في هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ} أي اهدنا إليك.
وفي هذه إشارة إلى تخصيص نبيِّنا- صلى الله عليه وسلم- في التبري من الحول والقوة والرجوع إلى الحقِّ لأن موسى- عليه السلام قال: {وَاكْتُبْ لَنَا فِى...} ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» ولا أقلَّ من ذلك، وقال: «واكفلني كفالة الوليد» ثم زاد في ذلك حيث قال: «لا أحصي ثناء عليك».
قوله جلّ ذكره: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ}.
أي مِلْنَا إلى دينك، وصِرْنَا لكَ بالكلية، في غير أَنْ نترك لأنفسنا بقية.
قوله جلّ ذكره: {قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ}.
وفي هذا لطيفة؛ حيث لم يقل: عذابي لا أُخْلِي منه أحَداً، بل علَّقَه على المشيئة. وفيه أيضاً إشارة؛ أنّ أفعاله- سبحانه- غيرُ مُعَلَّلَة بأكساب الخلق؛ لأنه لم يقل: عذابي أصيب به العصاة بل قال: {مَنْ أَشَاءُ}؛ وفي ذلك إشارة إلى جواز الغفران لمن أراد لأنه قال: {أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ} فإذا شاء ألا يصيب به أحداً كان له ذلك، وإلا لم يكن حينئذٍ مختاراً.
ثم لمَّا انتهى إلى الرحمة قال: {وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَئٍ} لم يُعَلِّقها بالمشيئة؛ لأنها نفس المشيئة ولأنها قديمة، والإرادة لا تتعلق بالقديم. فلمَّا كان العذابُ من صفات الفعل علَّقه بالمشيئة، بعكس الرحمة لأنها من صفات الذات.
ويقال في قوله تعالى: {وَسِعَتْ كُلَّ شَئٍ} مجالٌ لآمالِ العُصَاة؛ لأنهم وإن لم يكونوا من جملة المطيعين والعبادين والعارفين فهم {شيء}.
قوله جلّ ذكره: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}.
أي سأوجبها لهم، فيجب الثواب للمؤمنين من الله ولا يجب لأحدٍ شيء على الله إذ لا يجب عليه شيءٍ لعزِّه في ذاته.
قوله هاهنا: {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} أي يجتنبون أَنْ يروا الرحمة باستحقاقهم، فإذا اتقوا هذه الظنون، وتيقنوا أن أحكامه ليست معللةً بأكسابهم- استوجبوا الرحمة، ويحكم بها لهم.
{وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} أي بما يكاشفهم به الأنظار مما يقفون عليه بوجوه الاستدلال، وبما يلاطفهم به في الأسرار مما يجدونه في أنفسهم من فنون الأحوال.